• ×

04:36 صباحًا , الإثنين 1 ذو القعدة 1438 / 24 يوليو 2017

شهوة المنع و شهوة التعبير !

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ليس في جعبتي الكثير .. إلا أنه مما يؤسفني أن أمارس الكتابة مجاناً بلا مقابل يصب في حسابي البنكي أو يوفر لي بعض ما احتاجه في معيشتي ، فعلى حد علمي لا توجد أسواق ولا مستشفيات تقبل المقالات كثمن لما تعرضه من سلع وخدمات ، و الذي أظنه أنني لو قدمت كل ما كتبته في حياتي لحلاق كي يقص شعري ما قبل مني و ربما قص أوراقي بدلا من ذلك .. و مع كل هذا أجدني مستمرا في صنعة المفاليس هذه ..

لست أقول بأنني مثل فولتير الكاتب الفرنسي الكويس - الذي أتاه شاب غرير يتفاخر عليه بأنه يكتب لأجل الشرف و أن فولتير يكتب لأجل المال فأجابه فولتير : " لقد صدقت .. كل منا يكتب بحثا عما ينقصه " .. و لو كنت مكان الشاب لحرمت الكتابة على نفسي حتى أموت ، لأن ردا مفحما كهذا سيعود صداه مع كل مقالة أكتبها و لن ينساه الناس بسهولة ، و سيصبح عقدة نفسية لا تنفع معها جلسات العلاج النفساني و لو كثرت ..

الكثير منا لا ينقصه شرف بعد شرف الإسلام لينشده بالكتابة ، كما لا ينقص الكثير المال ليبحث عنه بمثل هذه السلعة التي كسد سوقها و لم تعد تدر أرباحا ذات بال .. و إنما هي حاجة الإنسان لأن يقول شيئا وقر في صدره و يعتلج بين أضلاعه و يسمعه الناس ، هذه الحاجة هي التي جعلت من مواقع التواصل الاجتماعي جمهوريات للمهمشين كما يقول د.سلمان العودة يتفاعلون فيها و يثرثرون بلا توقف آناء الليل و أطراف النهار بعد أن ضاقت الصحافة و القنوات عن تلبية حاجتهم الملحة للتعبير و الحديث .. أولئك البشر الذين يقدرون بمئات الملايين لا ينتظرون مزيد شرف أو مال نتيجة لكلامهم و أحاديثهم ، و إنما يلبون حاجة ملحة للتعبير عن أفكارهم و مشاعرهم و مشاركتها الآخرين ..

الحاجة للكلام و التعبير - غريزة في الصالح و الطالح منا .. الجميع يريدون أن يقولوا شيئا ما و لا يريدون أن يقاطعهم أو يمنعهم أحد .. لذا أجدني عاجزا عن فهم تلك المطالبات بمنع فلان أو إخماد صوت فلان أو قطع لسان فلان لأنه يقول أشياء قد لا نوافق عليها .. مع أن أولئك المطالبين لن يرضوا أو يقبلوا ذلك لأنفسهم .. لن يتقبلوا أبدا أن يخمد أحد أصواتهم أو يقطع ألسنتهم .. فلماذا لا يحبون لإخوتهم ما يحبون لأنفسهم ؟ ، أو على الأقل : لماذا لا يكرهون لإخوتهم ما يكرهون لأنفسهم ؟

السعي لمنع الآخرين من التعبير لا يجدي ، و ليس من إنكار المنكر و تغييره - و لو زعم بعض الغلاة ذلك فإنكار القول الباطل يكون ببيان بطلانه و بتقويض بنيانه .. ليس بمنع قائله أو قطع لسانه .. تلك حقيقة المواجهة ، أما المطالبة بالمنع فتشعر المتابع بأن ثمة خوف و نكوص عن المواجهة .. و قد جاء في كتاب الله الأمر بمجادلة أهل الأهواء من أهل الكتاب و غيرهم .. بل الله تعالى - جادلهم و حاججهم .. و لم يطلب من نبيه أن يمنعهم أو يحاصر ألسنتهم .. كان ذلك في زمان يمكن فيه الحصار لقلة عدد الناس و صعوبة تواصلهم ، أما اليوم و نحن في عصر انفجرت فيه الحدود و أعلنت الرقابة استلامها المبرم و أصبحت سياسة المنع مجرد حلم يتمناه العاجزون عن مواجهة الآخرين : فيبدوا المطالبون بالمنع و الحجر أقرب للسخافة منهم للمنطق ..

و كما بدأ الكلام بفولتير سينتهي به حيث يقول : " قد لا أتفق مع ما تقول ، ولكنني سأقاتل من أجل الدفاع عن حقك في قول رأيك " ، غني عن القول بان في هذا الاقتباس الكثير من المثالية ، و إلا فنحن لا نريد أكثر من أن تتسع صدور الآخرين لما نقول .. و جزاهم الله خيرا .. لا نريد منهم أن يكلفوا أنفسهم أكثر من ذلك !


ثم إنه :
لسان حال البعض : لكني سأقاتل كي لا تقول رأيك !


بواسطة : حمدان العضيد
 0  0  455
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

أصبحت الأسر المنتجه تحت المجهر من قبل العديد من...


بقلم / عبدالله خميس المخيمرالشراري انطلاقاً...


بواسطة : قلم

بقلم / محمد بن سليمان الأحيدب شفافية وزارة...


بواسطة : قلم

بقلم / م.فهد الصالح - تتوجه الدولة إلى التوسّع...


بقلم / أ.عبدالعزيز بن خلف السراح على كتاب الله...


بواسطة : ميسرالبديوي

الجوف الان : ميسر البديوي وطني مجيدٌ...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 04:36 صباحًا الإثنين 1 ذو القعدة 1438 / 24 يوليو 2017.