• ×

02:27 صباحًا , الأربعاء 4 شوال 1438 / 28 يونيو 2017

حرمان الطالب من الدراسة.. إفلاس تربوي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الأحداث من عمر 15 إلى 18 سنة، لا تزال شخصياتهم في طور التشكل، ويجب أن نتوقع منهم زلات، وأن نكون عونا لهم للخروج بهم من هذه المرحلة الحرجة سالمين معافين لبر النضج والسلامة


في يوم الجمعة المنصرم نشرت صحيفة الشرق لقاء أجراه معي الزميل العزيز علي مكي في زاوية، تعليق على ما حدث. وكان من الأسئلة سؤال، لم تكن المساحة المتاحة لي للإجابة عليه كافية لتناول الموضوع بالقدر الذي يستحقه. ولأهميته دون غيره من الأسئلة، رأيت أن أتوسع في الإجابة عليه وأتناوله من جميع زواياه وأبعاده. خاصة كون السؤال متعلقا بالتربية والتعليم لدينا، وبالأخص الجانب التربوي، الذي ترتبط به مسؤولية إعداد أجيالنا القادمة ليكونوا مؤهلين وقادرين على قيادة وإدارة بلدنا بكل ثقة ودراية وإعدادهم إعدادا سليما، في زمن البقاء فيه للأذكى، وليس للأغنى كما كان.

وليس لوزارة التربية والتعليم أي عذر في التقصير ناهيك عن الخلل التربوي أو التعليمي، حيث إن خادم الحرمين حفظه الله، خصص مبلغ عشرة مليارات ريال، فقط لرسم الخطط لتحسين الطرق والوسائل التربوية والتعليمية والرقي بها، هذا غير أن الميزانية الضخمة للوزارة هي أكبر سند لها في إتمام أداء عملها.

وكان السؤال هو التالي: وضعت وزارة التربية والتعليم قائمة بعشرات المخالفات، التي يمكن أن يرتكبها الطالب أو الطالبة، والعقوبات التي يجوز فرضها على المخالف، وتبدأ من التنبيه، وتنتهي بالحرمان من الدراسة عاماً في حال وقع الطالب الذي تجاوز عمره 15 عاماً في مخالفات التزوير، أو حيازة المخدرات، أو حمل السلاح، أو اعتناق "أفكار ضالة"، أو ضرب أحد منسوبي المدرسة. وتضمنت مخالفات "الدرجة الخامسة" الاستهانة بشيء من شعائر الإسلام، أو اعتناق الأفكار والمعتقدات الضالة، أو حيازة المخدرات، أو تعاطيها، أو الإصرار على ترك أداء الصلاة مع الطلاب والمعلمين من دون عذر شرعي، أو حيازة أو استخدام الأسلحة، أو تزوير الوثائق الرسمية، أو الأختام.

وكان جوابي الذي سوف أتوسع فيه هو أن حرمان أي طالب من الدراسة ولو لأسبوع واحد، أغبى عقاب يمكن أن تقوم به مؤسسة تربوية تعليمية تحترم نفسها ودورها في المجتمع؛ لكون ذلك يدلل على فشلها الذريع في أداء دورها ومهمتها التربوية تجاه مجتمعها أو التهرب منه، ورميه على المجتمع "البيت والأجهزة الأمنية" بدل أن تكون مدارسنا هي خط المجتمع الدفاعي الأول.

حيث فصل الطالب قد يجعله يتفرغ لمدة سنة كاملة، لممارسة ما تم فصله من أجله، وقد تحدث لديه ردة فعل معاكسة كالرغبة في الانتقام من مجتمعه، وقد لا يعود لكراسي الدراسة مرة أخرى، وإنما لأحضان مروجي المخدرات أو الفئة الضالة، أو غيرها من فئات تتربص الشر بشبابنا. هذا من ناحية الأولاد أما من ناحية البنات، فحدث ولا حرج، حيث حبسها في البيت لمدة سنة كاملة، سيجعلها كائنا ليليا، تنام في النهار وتصحو في الليل، وتغلق باب غرفتها عليها، وأهلها نيام، وتتفرغ لوسائل اتصالها الاجتماعية من "فيس بوك" و"تويتر" و"واتس أب" وجوال وغيرها، مما قد لا يعود عليها بالفائدة المرجوة من قنوات التواصل هذه؛ كون شخصيتها لم تتشكل ولم تنضج بعد وقد لا تتعامل إلا مع سلبياتها، وذلك للفراغ الكبير الذي سيحدثه حرمانها من الدراسة، حيث من المعروف لدينا أن المدرسة تشكل بالنسبة للفتاة حياتها وشغلها الشاغل، وتستحوذ على معظم وقتها وطاقاتها الشابة.

من المعروف من أبجديات التربية، أن الأحداث من عمر 15 إلى 18 سنة، هم أولاً لا يزالون يندرجون في خانة الطفولة، وثانياً أن شخصياتهم في طور التشكل، ولا يجب ألا نتوقع منهم زلات، وقد تكون زلات كبيرة؛ ولكن ليس على الطفل حرج، حيث غالبيتهم يتعلمون من أخطائهم لتكتمل شخصياتهم، ونحن كبيت ومدرسة، يجب أن نكون عونا لهم وسندا للخروج بهم من هذه المرحلة العمرية الحرجة سالمين معافين لبر النضج والسلامة. والمدرسة ليست مكلفة بإخراج أنبياء وملائكة أو علماء صواريخ وذرة، وإنما إخراج بشر أسوياء طموحين يحسنون التفكير، ويحسنون فرز الصواب من الخطأ واحترام الأنظمة والقوانين، وحسن التعامل مع الآخرين، والبقية تأتي مع اكتمال ونضج الشخصية.

وبما أن المدرسة هي المؤسسة التربوية والتعليمية للمجتمع وخط أمانه الأول، فعليها أن تدرك أن العقاب والحرمان ليس من مسؤوليتها البتة، وإنما هي من مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية وأن مهمتها إخراج مواطنين أسوياء لا تعاني منهم الأجهزة الأمنية ولا القضائية ولا المجتمع بأكمله. المؤسسات التربوية لا تعاقب وإنما تراقب بعين تربوية، لا بوليسية، كل من يصدر منه أي خلل تربوي معين، وتحلله وتحاول أن تتعرف على أسبابه وتداعياته، ثم تعطي الطالب المخالف ما يناسبه من جرعات تربوية وتعليمية وتأهيلية نفسية؛ لإعادة تأهيله داخل المدرسة لا خارجها، فخارجها قد يؤزم علته ولا يخففها إن لم نقل يقضي عليها. وذلك بإعطاء الطالب المخالف حصصا زائدة عن زملائه ومكثفة، تتركز حول إعادة تأهيل الطالب المخالف نفسياً وتربوياً وتعليمياً. والسؤال هو كيف يتم ذلك؟

والجواب بسيط ولا يحتاج لعالم صواريخ ليكتشفه لنا، حيث هو مجرب في الدول المتقدمة والأقل تقدماً، ولا نحتاج لاختراع العجلة من جديد كعادتنا السيئة، ولا بصرف عشرة مليارات ريال لنعرف ذلك. فقط بأن تكون المدرسة مستعدة، لإعطاء دروس إضافية تأهيلية للطلبة المخالفين بعد الدوام الرسمي، أي في العصر أو في يوم الخميس، وبمساعدة فريق من مختصين تربويين ونفسيين واجتماعيين على درجة عالية من الإعداد والتأهيل، يتوفرون عند كل إدارة تعليمية، يتعاونون مع إدارة المدرسة ومرشديها ومعلميها، لتحليل أسباب كل مخالفة تتم من قبل الطالب، ووصف جرعاته العلاجية التأهيلية، وتدريب الطاقم الإداري المدرسي والمشاركة في عملية إعادة التأهيل، إن بشكل مباشر أو غير مباشر، ومتابعة كل حالة على حدة، من بدايتها حتى نهايتها. كذلك يجب إشراك أولياء الأمور بشرح حالة ابنهم أو ابنتهم لهم، ووسيلة العلاج التأهيلية المقررة لهم، وإدخالهم كطرف رئيسي ومباشر في عملية تأهيل ابنهم أو ابنتهم. وتهيئة مدارس داخلية، لا يخرج منها الطالب، إلا في نهاية الأسبوع، وهذه لمن يحتاجون جرعات تأهيلية مكثفة جداً ومتواصلة.

إن ما وضعته وزارة التربية والتعليم من قائمة تضم العشرات من المخالفات، التي يمكن أن يرتكبها الطالب أو الطالبة، والعقوبات التي يجوز فرضها على المخالف؛ لا تصدر من مختصين تربويين يعون ما يفعلون، حيث يستطيع أي مطوع كتاتيب، أن يخرج بأفضل منها، وبأجر صاع تمر أو صاع شعير لا غير.

تطوير التعليم لا يقتصر فقط على مبان غير مستأجرة، ولكن على عقول غير مستأجرة، ولا على سبورة ذكية، ولكن على عقول متخصصة وذكية. وأهم من كل هذا، مناهج ذكية وعصرية تؤهل الطالب كيف يفكر، لا بماذا يجب أن يفكر.

بواسطة : قلم
 0  0  412
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بقلم / أ.عبدالعزيز بن خلف السراح على كتاب الله...


بواسطة : ميسرالبديوي

الجوف الان : ميسر البديوي وطني مجيدٌ...


بقلم / عبدالعزيز الناصري يعلم الجميع ما تتحلى...


بقلم / فهد مشاري السبيله الفنُ في مُختلفِ...


بواسطة : امل العبدالله

إلى أين تنتهي معاناة المعلمات المغتربات؟...


بواسطة : ميسر البديوي

بقلم / ميسر البديوي عندما مسكت بندقيةً...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 02:27 صباحًا الأربعاء 4 شوال 1438 / 28 يونيو 2017.