• ×

06:51 مساءً , الخميس 1 شعبان 1438 / 27 أبريل 2017

محمد إقبال : خريج (كامبردج ) و (ميونخ ) لماذا رفض أن يكون نائبا للملك ؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
محمد إقبال : خريج (كامبردج ) و (ميونخ ) لماذا رفض أن يكون نائبا للملك ؟

ولماذا رفض أن يصلي في مسجد باريس ؟

وماذا قال للملك عبدالعزيز ؟

وما الهدية التي رأى أنها تليق بمقام النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ؟

ولِد محمد إقبال* في ( سيالكوت ) مدينة في بنجاب سنة 1877م وهو سليلُ بيتٍ معروفٍ من أوسطِ بيوتاتِ البراهمةِ في كشمير ، أسلم جَده الأعلى .

تعلم محمد إقبال في مدرسة انجليزية في بلده ، وجاز الامتحان الأخير بامتياز .

ثم التحق بكليةٍ في ذلك البلد ، بعدها سافر إلى عاصمة البنجاب حيث حضر الامتحان الأخير في الفلسفة في كلية الحكومة ، وبَرَزَ في اللغة العربية والإنجليزية ونال وسامين وأخذ الشهادة الجامعية بامتياز .

وفي لاهور اتصلت أسبابُه بكبار الأساتذة ، وبدأ بنظم القصائد ، وكان لها دويٌّ في أنديةِ الشعر والأدب ، واجتلبت العيونَ نحو الشاعر الشاب المبدع .

وفي هذه المدة حصل على درجة الماجستير في الفلسفة بامتياز ، ونال وساما . وعُين أستاذاً للتاريخ والسياسة في الكلية الشرقية في لاهور ، ثم أستاذاً للإنجليزية والفلسفة في كلية الحكومة التي تخرج منها ، وشهد بكفاءته وغزيرِ علمهِ الأساتذةُ والطلابُ جميعاً ، وحاز على ثقة وزارة المعارف .

ثم سافر الى لندن سنة 1905م حيث التحق بجامعة ( كامبردج ) وأخذ شهادةً عاليةً في الفلسفةِ وعلمِ الاقتصاد ، ومكث في عاصمة الدولة البريطانية ثلاث سنين يدرس في جامعة لندن ويلقي المحاضرات العامة .

ثم سافر الى ألمانيا وأخذ من جامعة ( ميونخ ) الدكتوراه في الفلسفة .

ثم عاد إلى لندن ، وتخصص في المادتين ، ورجع إلى الهند سنة 1908م

اشتغل الشاعر الفلسفي والاقتصادي الخبير والسياسي الحاذق في عدة لغات ، بالمحاماة ، ولكن غلب عليه الشعر وتأليف الكتب .

وكان يحضر حفلات جمعية ( حماية الإسلام ) السنوية ، وينشد فيها قصائده ؛ فنظم ( أنشودة المسلم ) و ( النشيد الوطني ) وكلاهما سار سير الأمثال .

ونظم ( العتاب والشكوى ) التي اشتكى فيها إلى الله على لسان حال المسلمين ماحلَّ بهم ، وذكرَ أعمالَ المسلمين الخالدة في سبيل الجهاد والإصلاح . ثم نظم قصيدةً بيَّن فيها تقصير المسلمين وإهمالهم للدين ، وعدم اتقانهم أمر الدنيا ؛ تبريراً لِمَا جُزُوا به من الخزي والهوان . وسرعان ما سارت بهما الركبان

عاقبتنا عدلاً فهبْ لعدوّنا عن ذنبهِ في الدهِر يومَ عقابِ

كان لحرب اتحاد البلقان ضد الخلافة العثمانية سنة 1910م أعمق الأثر في نفسية إقبال ، فقد حرّكت ساكنَه ، وهاج خاطرُه ، وأملاهُ حُزْنُه ووجدُه قصائدَ كُلّها دموعٌ حارةٌ في سبيلِ المسلمين ، وسهامٌ مسمومةٌ في صدور الأوروبيين .

أنا ماحسدت الكافرين وقد غـدو في أنعُمٍ ومواكب وقصورِ

بل محنتي في في أمتي ألاّ أرى عملاً تقدمه صَداقَ الحـورِ

ومن قصائده ( شكوى إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - )

وقد نعى في هذه القصيدة على الزعماء والقادة الذين يتزعمون المسلمين وليست عندهم صلة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : " أنا بريءٌ من

أولئك الذين يحجون إلى أوروبا ويشدون إليها الرحال مرةً بعد مرةٍ ولايتصلون بك في حياتهم "

إذا الإيمان ضاع فلا أمــــانٌ ولادنيا لمن لم يحيِ دينا

ومن رضي الحياة بغير دينٍ فقد جعل الفناءَ لها قرينا

و ( هدية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم - )

وقد قال فيها " إنه حضر عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ماذا حملْت إلينا من هدية ؟ فاعتذر الشاعر عن هدايا الدنيا ، وقال : إنها لا تليق بمقامكم الكريم ولكنني جئت بهدية ، وهي زجاجة يتجلى فيها شرف أمتك وهو دم شهداء طرابلس "

مضى إقبال يقول الحقائق وينظم الحكم ويوقد من حماسته نيراناً ويفجر بإيمانه وثقته أنهاراً .

فكم زالت رياضٌ من رُبــاها وكم بـادت نخيـلٌ في البــوادي

ولكنْ نخلة الإســـــــلام تنـمو على مر العواصــف والعـوادي

ومجدك في حِمى الإسلام باقٍ بقاء الشمس والسبع الشداد(ي)


وقد طُبع أول مجموع شعره باسم ( جرس القافلة ) سنة 1924م فكان إقبال الناس عليه عظيما ، وحظي من القَبول مالمْ يحظَ به شاعر ، وأُعيد طبعه مراراً بعددٍ كبير .

تُرجم أكثر كتبه إلى العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والروسية وأقيمت في ألمانيا و إيطاليا مجامعُ وهيئاتٌ باسمه لدراسة شِعره وفلسفته .

عرض محمد إقبال فكرة قيام دولة باكستان في حفل الرابطة الإسلامية والذي كان يتولى رئاستها سنة 1930م ( وقامت دولة باكستان بعد وفاته بعشر سنين ، وهو بهذا المفهوم يُعتبر مؤسس دولة باكستان )

انتُخِبَ إقبالُ عضواً في المجلس التشريعي في بنجاب ، وذهب مندوبا للمسلمين في مؤتمر المائدة المستديرة سنة 1930-1931م .

وجاءته الدعوة في لندن من حكومة فرنسا وأسبانيا وإيطاليا ، فزار القطرين الأخيرين ، وألقى في مدريد محاضرات وزار مسجد قرطبة ، وصلى فيه لأول مرة بعد جلاء المسلمين ، وذرف على تربته دموعا غزاراً ، وتذكر العرب الأوّلين ، الذين حكموا هذه الأرض ثمانية قرون ، واستنشق في جوّهِ وهوائه أريجَ حضارتهم ، وشعَر كأنّ هذا المسجد يشكو إليه حرمانَه من سجود المؤمنين ، وأجواءُ قرطبة تشكو إليه بُعد عهدها من الأذان ، فقال الشعر الرقيق ، الذي يُعد من القطع الأدبية الخالدة .

لقد كان إقبال في زيارته لهذه البلاد موضع حفاوةٍ نادرةٍ وإكرامٍ بالغٍ .

قابله (موسوليني) وكان من قرّاءِ كُتُبِهِ والمعجبين بفلسفته وتحدث معه طويلا .

ويرى إقبال في (موسوليني) أنّه كغيرهِ ، يرتكب المذابح والمجازر بحجة نشر الحضارة !

سألته فرنسا أن يزور مستعمراتِها في شمال أفريقيا ، ولكنّ الشاعرَ والسياسي الغيور رفض دعوتها ! وأبى أيضاً أن يزورَ جامعَ باريس ، وقال : إنّ هذا ثمنٌ بخسٌ لتدميرِ دمشقَ وإحراقها !

يقول العلامة محمود شاكر - رحمه الله - :

( وكان أعظم ما أدهشني رفضُ إقبال أنْ يدخُل مسجد باريس ، ومقالته : إن هذا المسجد ثمن رخيص لتدمير دمشق !

فلولا أنّ الرجلَ كان يعيشُ في حقيقةٍ صريحةٍ ، وفي ذكرٍ دائمٍ لاينقطعُ لِمَا نزل بنا لَما خَطَرَ لهُ هذا الخاطر!

وكمْ مِنْ غافلٍ ساهٍ منّا ومِنْ قومِنا ، يَعرض له أن يحيا تاريخ نفسه ، وتاريخ دينه بمثل هذه الكلمة ؛ ثم لاتراه إلا حيثُ يكره اللهُ من الذل والضِّعَةِ والعبودية ، والفتنة بما زيَّن له أعداءُ اللهِ ورسولهِ )

لقد عرف إقبالُ نفسَه ! وقدّر مواهبه تقديراً صحيحاً ، ثم ركّز فكره وقوة شاعريته على بعث الحياة والروح في المسلمين ، وإيجاد الثقةِ والاعتزازِ بشخصيتهم ، والإيمان برسالتهم ، والطموحِ إلى القوةِ والحريةِ والسيادةِ .

يقول الأديب الكبير أبوالحسن الندوي - رحمه الله - : ( أشهد على نفسي أني كلما قرأت شعره جاش خاطري وشعرت بدبيب المعاني والأحاسيس في نفسي وبحركة للحماسة الإسلامية في عروقي ، وتلك قيمة شعره وأدبه في نظري .

لم يكن إقبال ممن ينتجعون كُلَّ كلأ ، ويهيمون في كل وادٍ ، ويكتبون في كل موضوع وافق عقيدتهم أم لا ! )

يقول إقبال : " إن كل مأثرة ، وكل إنتاج ، لم تَذُبْ فيهِ حشاشةُ النفسِ ، ناقصٌ ! وجديرٌ بالفناءِ والزوالِ السريع ! وكلُّ رنَّةٍ أو نشيدٍ لمْ يَدْمَ لهُ القلبُ ، ولمْ تتألمْ لهُ النفسُ قبل أن يَصْدُرَ ، ضرْبٌ من العبثِ والتسليةِ ! ولا مستقبلَ لهُ في المجتمعِ وعالمِ الأفكار ! " .

أثناء إقامة إقبال في أوروبا أُقيمت له عدةُ حفلاتِ تكريمٍ ، أقامها له أصدقاؤه وأساتذتُه في جامعة ( كامبردج ) وجامعة ( روما ) وجامعة ( السوربون ) وجامعة ( مدريد ) و ( المجمع الملكي ) في روما .

وفي سنة 1932م لبى دعوة السلطان الشهيد نادرخان ، ملك أفغانستان، في بعثةٍ تتألفُ من مجموعةٍ من الكبار ، وتحدث إليه الملك طويلا ، وأفضى إليه بذاتِ صدرهِ ، وبكيا طويلا ! ولما زار قبر السلطان محمود الغزنوي فاتح الهند لم يملك عينيه وافتضح باكيا ! وقال قصيدةً بديعةً .

أمَا لمعتركِ الأيامِ منْ طمعٍ بغزنويٍّ جديدٍ غير منهزمٍ

ونظم في طريق عودته من كابل قصيدتَه ( مسافر ) .

كان إقبال يعرف قيمته ويعرف مكانته ، في غير صَلَفٍ ولا غرور ، فيفيض بحريته وكرامته ؛ لذا كان يثور إذا امتُحِنَتْ عِفّتَهُ !

عَرضت عليه الحكومة البريطانية وظيفةَ نائب الملك في أفريقيا الجنوبية، وكان من تقاليد هذه الوظيفة أنَّ حرمَ نائبِ الملك تكون سافرةً ، تستقبل

الضيوفَ في الولائم الرسمية ، وتكون مع زوجها في الحفلات ! فأشير عليه بذلك ، فرفضها ! وقال :

" ما دامَ هذا شرطاً لقبولِ الوظيفةَ فلا أقبَلُهُ ! لأنّه إهانةُ ديني ومساومةُ كرامتي "

يقول إقبال في افتخار واعتزاز : " يعلم الله إني رحلت في أعماق هذه العلوم واكتويت بنارها ، من غير أن أرزأ في عقيدتي ، وخلقي وصلتي بك ... " .

ويقول : " إذا تخلت السياسة عن الدين صارت سماً ناقعاً ، وإذا كانت في خدمته صارت ترياقاً واقياً " .

كان لايثقُ بالغرب ! كان يراهم على حقيقتهم ! دول احتلال واستكبار لايرضون بقيادةٍ صالحةٍ أمينةٍ !

تمدّن عصركم ! جمع المزايا ! وليـس بغائـبٍ إلاّ الضميـرُ !

فكان شديد الحذر والتحذير منهم ، قال في بعض قصائده محذراً من الاعتماد على الغرب ، مخاطباً الملك عبد العزيز رحمه الله باعتباره ملك الحجاز في عهده :

" اضرب خيمتك حيثُ شئتَ في الصحراء ، ولتكن خيمتك قائمةً على عُمُدِك وأطنابك " !

لقد عاش شاعر الإسلام وفيلسوف العصر - مدة حياته - في حب النبي صلى الله عليه وسلم ، والأشواق إلى مدينته ، وتغنى بهما في شعره الخالد

أشـــواقنا نحو الحجاز تطلعتـــــ كحنين مغتربٍ إلى الأوطانِ

إن الطيورَ وإن قَصَصْتَ جناحَها تَسمو بفطرتها إلى الطيرانِ

وقد طفح الكأس في آخر حياته ، فكان إذا ذُكرت المدينةُ فاضت عيناه ، فكان شعره في النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه من أبلغ أشعاره وأقواها ، وكان حُشاشةَ نفسِه ، وعصارةَ عملهِ وتجاربهِ ، وكان تصويراً لعصره وتقريراً عن أمته ، وتعبيراً عن عواطفه .

قد كان هذا الكونُ قبلَ وجودنـــــــــــــــا روضاً و أزهاراً بغيرِ شميـــــــــــــــــم

و الوردُ في الأكمامِ مجهولُ الشّذا لا يُـرتـــجـــى وردٌ بــــغـــــيـــــرِ نـــســـيـــمِ

بــــــــــلْ كانــت الأيــــامُ قـــبــلَ وجودِنــــــا لـــيـــــلاً لــــظـــــالـــمـهـــا و لـلـــمـــظـــلـــومِ


لـــمّـــا أطــــلّ مــــحــــمــــدٌ زكــــتِ الرّبــى و اخضرّ في البستانِ كلُّ هشيمِ


و أذاعتِ الفردوسُ مكنونَ الشـــــــــــّذا فـــــــإذا الـــورى فــــي نـضـرةٍ و نـعـيم


كان إقبال يشتكي أدواء يغلبها وتغلبه ، وانحرفت صحتُه أخيراً ، ولزم الفراش طويلاً ، ولم يزلْ لسانُه يفيض بالشعر ، ويُملي الكتب ، والمقالات ، ويقابل الأصدقاء والزوّار والعوّاد ، ويحادثهم في شؤؤن إسلامية وعلمية ... وكان مما قاله قبل وفاته بدقائق :

" ليت شعري ! هل تعود النغمةُ التي أرسلتها في الفضاء ، وهل تعود النفحة الحجازية - وقال وهو يجود بنفسه - : أنا لا أخشى الموت ، أنا مسلم ، ومن شأن المسلم أن يستقبل الموت مبتسما "

ولفظ نفسَه الأخير - رحمه الله - في حجرةِ خادمهِ القديم ، على حين غفلةٍ من العوّاد والأصدقاء والتلاميذ والإخوان في سائر أنحاء العالم الإسلامي ، وغربت هذه الشمس التي ملأت القلوب حرارةً ونوراً ، قبل أن تطلع شمس الواحد والعشرين من إبريل من عام 1938م وقد استوفى من العمر ستين عاماً .

كتبه / د . فهد بن عبدالله الفريح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه الترجمة لمحمد إقبال ، الاعتماد فيها على كتاب ( روائع إقبال ) للمفكر والعالم والأديب الكبير أبي الحسن علي الحسني الندوي - رحمه الله - وقد أخذت عباراته بنصها مع تصرف يسير .

وهناك بضعة أسطر من مقدمة محقق ( ديوان محمد إقبال الأعمال الكاملة ) سيد عبدالماجد الغوري . والأشعار من الديوان نفسه .



بواسطة : فهد الفريح
 1  0  1264
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    16-05-36 11:11 مساءً ماجد النعمان :
    مقال اكثر من رااائع
    حتى مع اطالته الا اني تمنيت ان لاتنتهي سطوره .. يا الله كم هو مشوق مثل هذا الكلام ..حقيقه يبعث في النفس مشاعر جميلة جدا تدعوك للوقوف مع نفسك لحظات مراجعة ..بماذا ضحيت وماذا قدمت لما احمله من رساله ؟!
    شكرا ابا عبدالرحمن على هذه السطور

جديد المقالات

بقلم / ناجح بن دحيلان الشراري بسم الله الرحمن...


بواسطة : ميسر البديوي

بقلم / ميسر البديوي التخطيط المسبق للواقعه مع...


بواسطة : امل العبدالله

محمد حمادي في الماضي كان المسؤول يتصفح الصحف...


بواسطة : قلم

بقلم / ابتسام الرويلي وضع المجلس البلدي في...


بواسطة : امل العبدالله

هدى مذود الشمري هل أنت من الذين يضعون كلمة...


بواسطة : فهد الفريح

بقلم / د . فهد بن عبدالله بن فريح الناصر المعين...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 06:51 مساءً الخميس 1 شعبان 1438 / 27 أبريل 2017.